الإثنين 21-8-2017   

النضال البديل

يجمع السياسيون المنصفون أن الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين ومقدساتها هو جوهر الداء وأصل البلاء في بلادنا العربية والإقليم كله، وهو العامل الأكثر أهمية والأشد أثراً في تمزيق البلاد العربية وتخلفها، والحيلولة دون تنميتها ووحدتها، وتقدم شعوبها نحو الحرية والديمقراطية، بالإضافة إلى الأسباب والعوامل الأخرى النابعة من الذات العربية المهزومة، وعدم قدرة العرب أنظمةً وشعوباً على الأخذ بأسباب القوة، وعجزهم عن تحرير أنفسهم من ربقة الفساد والاستبداد، لكن هذه العوامل مترابطة فيما بينها، وتتحد معاً في تشكيل الأزمة العربية المركبة والمعقدة، التي تحتاج إلى تشخيص مستمر، والبدء بعملية التفكيك المتدرج أمام الأجيال الجديدة التي يقع عليها عبء النهوض.
في البدء لا بد من الحديث عن «المشكل الإسرائيلي» على وجه من الاختصار المفيد الذي ينبغي أن يكون منطلقاً أولياً يحظى بالاتفاق والإجماع بين العقلاء من كل الأطراف والاتجاهات السياسية والفكرية، حيث أن إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين قام ابتداءً بقرار دولي وفق مخطط استعماري ماكر، رعته بريطانيا أولاً ثم أمريكا بعد ذلك، ومشاركة روسية فرنسية وعالمية، وتم تهيئة البيئة المناسبة والمحيطة لرعاية هذا الكيان وتوفير كل أسباب البقاء والديمومة والقوة المتدرجة، من خلال تفكيك البنية العربية المجاورة.
الاستراتيجية الإسرائيلية الداخلية المتفق عليها بين كل أحزاب اليمين واليسار الإسرائيلي تقوم على ركنين أساسيين :- الأول يتمثل باستقدام اليهود من كل دول العالم بكل سبل الترغيب الديني والعاطفي والاقتصادي، ومن خلال التعاون مع كل دول العالم، والثاني :- يتمثل بتهجير الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم وديارهم بالترهيب والترغيب وكل أساليب المكر والتخطيط المستمر للتضييق على الذين بقوا متشبثين بأرضهم وديارهم، ويترتب على ذلك تأمين القوة القادرة على تحجيم الفلسطينيين وإضعافهم وتشتيت شملهم وتفريق جمعهم من جانب، ومن جانب آخر لا بد من إقامة مشروع استيطاني كبير ودائم قادر على استيعاب المهاجرين اليهود وتأمين منازلهم وتوفير أمنهم، من خلال الاستيلاء على الأرض العربية من أصحابها، ومواصلة منع نمو القرى العربية وهدم منازلهم وعدم السماح لهم بترميمها، إلّا في حدود ضيقة مرصودة سلفاً.
تأمين هذه الاستراتيجية الواضحة يحتاج إلى تفريق شمل الجبهة العربية، وتفتيت قوتها، وإقامة أقطار عربية متهالكة تحيط بإسرائيل لا تملك القوة القادرة مستقبلاً على تهديد مستقبل اسرائيل، بالإضافة إلى العمل على إقامة معاهدات سلمية هشة تؤمن المصلحة الصهيونية المطلوبة وتمنع نمو القوة العربية عسكرياً وسياسياً وأمنياً.
بقيت هناك مشكلة تتعلق بأعداد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على مقربة من فلسطين وفيما يطلق عليه دول الطوق وخاصة الأردن، وهذه المشكلة يجري العمل عليها من خلال مسالك ناجحة مع الزمن :
المسلك الأول : الاستيعاب الهادىء وتأمين مستقبل اللاجئين الفلسطينيين من خلال تأمين وجود سياسي بديل، تحايلاً على حق العودة والقرارت الدولية بهذا الخصوص، ومن أجل منع نشوء قوة نضالية قادرة على تشكيل تهديد مستقبلي، وهذا يقتضي تعاون الدول المجاورة في تأمين مظلة الجنسية الواسعة بكل الطرق والأساليب القانونية وغير القانونية.
المسلك الثاني: محاولة تفريق جموع الفلسطينيين على معظم دول العالم بما يضمن حياة مستقرة تحول دون التفكير بحق العودة مستقبلاً، خاصة بعد تعدد الأجيال وبعد المسافة، وهذا يقتضي العمل ضمن مسارب تربوية ثقافية وفكرية وسياسية تضمن الرضا بوجود اسرائيل والاعتراف بها أمراً واقعاً لا مفر منه.
المسلك الثالث : ادماج اسرائيل في الإقليم والمنطقة، وإقامة مشاريع مشتركة على جميع الصعد الاقتصادية والعلمية والأمنية، والبحث عن عدو مشترك أو العمل على إيجاده إن لم يكن موجوداً وقد تم إيجاده فعلاً عبر ما يسمى (بالإرهاب والتطرف الإسلامي).
المسلك الرابع : الاغداق المالي الموجه على جبهات النضال وتحويلها إلى مصالح واستثمارات ومشاريع اقتصادية كبيرة قادرة على حرف بوصلة النضال وتلويثه.
نجاح هذه الاستراتيجية مرهون بقناعة الفلسطينيين بها وترويضهم عليها أولاً، والعرب والمسلمين ثانياً، حيث يجري العمل على إيجاد نخبة فلسطينية مستعربة ومتغربة تعمل على إنجاح هذا المخطط بذكاء، ومن خلال الدعم الدولي والمنطمات الدولية المتعددة الأغراض والمقاصد، و يتمحور العمل حول استبدال بوصلة النضال الفلسطيني وحرفها عن وجهتها، فبدلاً من تركيز الاهتمام على الاحتلال الذي يمثل أصل المشكلة وجذرها؛ يجري صرف الاهتمام إلى أنواع من أشكال النضالات المزيفة والمتوهمة الكثيرة والعديدة، والتي تدور كلها حول إمكانية التكيف مع الاحتلال والتعامل مع آثاره بعقل وواقعية، ولذلك ليس غريباً أن يتوافق مشروع التهويد والاستيطان الإسرائيلي الكبير في الضفة الغربية مع مشاريع قوانين التجنيس في البلدان العربية المجاورة جنباً إلى جنب وبخطوط متوازية وبكل وضوح وبكل مقدرة على ممارسة الاستغفال السياسي والنضالي تحت أقنعة القانون والدين والقومية والمدنية وغيرها.

التاريخ : 3/27/2017 1:08:45 AM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط