الأربعاء 18-6-2019   

وثيقة حماس الجديدة بين القديم والجديد

منذ سنوات بعيدة والجدل قائم في أوساط حماس حول تغيير “ميثاق الحركة” الذي صدر عام 88. وكانت حجة الرافضين أن الميثاق قد تم تجاوزه عمليا، وأي تعديل على النص الأصلي، لن يكون سوى رسالة تنازل بلا جدوى، مشيرين في هذا السياق إلى أن ميثاق منظمة التحرير نفسه لم يتم تغييره، وإن نُسخ عمليا.
أيا يكن الأمر، فقد انتصر الرأي القائل بإصدار وثيقة جديدة تتجاوز عثرات الميثاق القديم، والذي لم يكتب بلغة سياسية، بل بلغة دينية، جعلت اليهود (كدين) هم العدو، وليس المحتلين الصهاينة، فضلا عن أشياء أخرى.
تم تجاوز الميثاق عمليا في كل الأدبيات اللاحقة، من حيث رفض فكرة الصراع على أساس ديني، وحصره بمن يحتلون فلسطين، في حين تم تجاوزه سياسيا، بقبول الشيخ أحمد ياسين، ومن بعده طبعا، بفكرة الهدنة، والتي نُسخت لاحقا، وتأكد نسخها الآن بالوثيقة الجديدة. وكانت هناك الإشكالية الأخرى المتعلقة بالموقف من منظمة التحرير، وهذه أيضا تم تجاوزها سابقا، بقبول مبدأ الدخول فيها بشروط.
كل ذلك يتبدا في الوثيقة الجديدة، وما توقف عنده الكثيرون هو البعد المتعلق بالقبول بدولة في حدود 67، إلى جانب عدم النص على الصلة بجماعة الإخوان. وإذا كانت المسألة الأخيرة لا تنطوي على إشكال، لأن الصلة المذكورة لم تكن قيدا في أي يوم، فإن القضية الأخرى بالغة الأهمية.
السؤال الذي يحق لكثيرين طرحه هنا هو ما إذا كانت الوثيقة هي نهاية المطاف، أم يمكن أن تتكرر تجربة تجاوز الوثائق، والأهم المواقف، كما حدث مع “فتح”، ذلك أن الإصرار على الحق في كل فلسطين، لا يجيب على سؤال ماذا بعد قبول دولة في حدود 67، وهو سؤال جدلي، وهل يغير عدم الاعتراف بما تبقى من فلسطين للعدو في حقيقة أنه سيغدو واقعا بوجود من يعترفون به، وهم حتى اللحظة من يملكون شرعية القرار على الصعيد العربي والدولي؟!
مؤكد أن الفارق كبير بين من يعترفون ومن لا يعترفون، أقله في المدى القريب والمتوسط، لكن على الأرض لا يوجد فرق كبير، وفي حال قيام الدولة العتيدة بالمواصفات إياها (جدلا بالطبع)، فإن الانخراط فيها يعني القبول بالتزاماتها الدولية. ويبقى السؤال الأهم، وهو: من يضمن ألا يتم التورط في تجاوز الوثيقة الجديدة، كما تم تجاوز الميثاق من قبل (بالهدنة)، ومن ثم قبول مبدأ الاعتراف؟!
كل ذلك محض جدل بالطبع، فالعدو حصل على تنازلات أكبر بكثير من حدود 67 (كشفتها وثائق التفاوض)، ولكن ذلك كله لم يشبع شهيته.
قصة الدولة هي الإشكالية التي وقعت فيها “فتح” من قبل، وتكررها حماس هنا، ذلك أن الأصل أن تتحرر الأرض، وبعد ذلك تقوم الدولة على ما يتحرر، لا أن توضع العربة أمام الحصان، وإذا كان هناك من يتحدث عن مفاوضات، فالأصل أن يتقدم من يحتل الأرض بعروض، وليس الشعب الواقع تحت الاحتلال، ثم يقال له إن هذا غير كاف، فهات المزيد.
الخلاصة أن هذا اللون من الخطاب هو تجريب للمجرّب، وهو استعادة لتجربة ماثلة للعيان. أما إذا قيل إن تلك ضرورة تمليها الظروف العربية والدولية، فإن الحقيقة أن ما قُدم في الوثيقة لن يكون كافيا، وسيُطلب المزيد، و”شروط الرباعية” الموضوعة على الطاولة أمام حماس منذ سنوات بعيدة معروفة، ومنها الاعتراف بدولة العدو ونبذ المقاومة.
كنت ضد إصدار الوثيقة من قبل، ولا زلت على رأيي، بل تأكد الآن، تبعا للمواقف، فضلا عن النص الذي لا يليق بحركة كبيرة ومهمة كحماس، إلى جانب خلطها بين وثيقة التأسيس والبرنامج السياسي. وعموما فإن من الواجب علينا أن نواصل التحذير من تجريب المجرّب، ومن تكرار ذات المسيرة التي اختطتها حركة فتح دون جدوى، وصولا إلى طروحات جديدة عن دولة مؤقتة في حدود الجدار بغطاء عربي، تعني في المحصلة تصفية للقضية.
كل ذلك لا يبرر القول إن الخل أخو الخردل، وكأن الاعتراف بـ78 من فلسطين للعدو مسألة هامشية لا يُعتد بها، في صراع تاريخي مدجج بالتعقيد.
بقي التعليق على ردة فعل حركة “فتح” على الوثيقة، فقد خرج ناطقها الرسمي ليقول إن الوثيقة تشبه إعلان منظمة التحرير عام 88، لكأن الاعتراف للعدو بـ78 في المئة من فلسطين ليس شيئا مهما، أو لكأن التاريخ التالي بعد ذلك بقليل؛ من أوسلو وما بعده، وصولا إلى العروض المجزية التي كشفتها وثائق التفاوض من السلطة لأولمرت بعد وفاة عرفات.. لكأنه ليس جزءا من تاريخ حركة فتح. أما مطالبة الناطق بالاعتذار عن عقود من “التخوين والتكفير”، فهي كذبة أخرى، لأن خطاب حماس لم يستخدم لا التخوين ولا التكفير مع منظمة التحرير ولا حركة فتح.
ردود “فتح” تؤكد عقلية القبيلة (الحزبية) التي تحكمها، فقد دأب قادتها على وصف طروحات حماس بالعدمية، وحين غيرت قليلا، قيل إنها تريد أخذ مكان منظمة التحرير. لعمرك إن بعضهم يفضل أن تبقى فلسطين محتلة، على أن تحررها حماس!!

التاريخ : 5/6/2017 10:48:52 AM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط