الأحد 20-8-2017   

ماذ يعني انتصار ماكرون المزودج؟

شهد العام 2016 أول تصدع في بُنية أوروبا القديمة، عبر خروج بريطانيا بالـ»البريكست» وهوتصويت ضد ارتفاع الهجرة، وضد مدينة المصرفيين في لندن، وضد مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وقد تزامن مع تصاعد التخوف من موجة الإرهاب التيتغزو أوروبا مع المهاجرين، وهو ما تعاني منه اليوم، وكان تصويتاً يعلن بداية عولمة جديد برأي كثيرين.
العام 2017 وصل فيه الوسطي ايمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه متفوقاً على منافسين مثلوا أيدولوجيات واحزابا تاريخية في فرنسا،وهو ما عنى الكثير بالنسبة لمقولات نهاية الأيدولوجيا، أي أن الأفكار الجديدة هي التي تنتصر، فماكرون أطاح بأحزاب تاريخية، وقاد فرنسا كأصغر رئيس إلى زمن جديد،وأعاد الأمل لأوروبا العتيقة بأنها قد لا تنتهي، بل يُمكنها أن تجدد.
يحدث هذا التغيير، في فرنسا، في ظل توديع ألمانيا الاسبوع الماضي لصانع وحدتها المستشار الكبير هيلموت كول(1930-2017)، هناك يحتفظ الألمان ببرودهم الطويل، نحو ما يجري، لكنهم يراقبون المصير، في ظل زيادة المهاجرين ومشاكلهم في بلادهم،وفي بريطانيا خسارة ماري لوبيز في تحقيق أغلبية مريحة في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في الثامن من حزيران، وكانت لوبيز تعول عليها كي تعزز موقفعها التفاوضي في البريكست لتعزيز دعمها في سياسات الخروج من الاتحادالأوروبي، بعد الاستفتاء الشعبي الذي جرى قبل نحو عام.
وفي حين حارت بريطانيا في انتخاباتها الأخيرة، ولم تنجز أغلبية مريحة تشفع لماري لوبيز التي اثقلت حكومتها أعمال الإرهاب، وهو ما يعني تراجع في مساحة التأييد للحزبين التاريخيين العمال والمحافظين، فإن الحال لم تكن مختلفة عنها لحظة وصول ماكرون للسطلة، لكن الأخير استطاع أن يشق الخارطة الحزبية في فرنسا ويتقدم إلى الرئاسة ويحقق في انتخاباته أول أمس أغلبية كاسحة، ظفرت بها حركة أو حزبه الجديد «فرنسا إلى الأمام».
انتخابات أول أمس كانت تاريخية وتعني أن فرنسا تتغير، وأنها تمنح رئيسها الجديد فرصة تاريخية، إن لم يحسن استثمارها فإن انتصاره الكاسح سيحيل قصر الإليزية إلى كرتون، فلأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة استطاعت (223) سيدة النجاح للوصول للبرلمان، وهو رقم تاريخي، لكن أيضاً الشيء اللافت برغم انتصار حزب الجمهورية للأمام بنسبة الأغلبية المطلقة، وبعدد مقاعد 355 من أصل 577 يشكلون البرلمان، هوالنسبة المرتفعة للامتناع عن التصويت، والتي بلغت 56،6% أي أن الأغلبية المطلقة كانت للممتعنين، وهي نسبة لم تتكرر منذ العام 1958.
الجعمية الوطنية الفرنسية، تغيرت أذن، مع وصول ماكرون، وهذا ما يعني أن الأيدولوجيات العتيقة التي سيطرت عليها مثل حزب الجمهورين اليميني الذي حصل على 125 مقعداً، أو الحزب الاشتراكي الذي حصل على 49 مقعدا،قد انتهت أو أن حالتها الراهنة لن تسمح لها بخلق حال سياسية فاعلة داخل البرلمان، وهي في طريقها للذوبان إن لم تخلق نفسها من جديد، وستكون نهايتها كارثية إن لم تدرك نفسها وتعالج وضعيتها وتدرس أسباب خسارتها التي جعلت حركة جديدة يخترعها ماكرون، والذي لم يعرفه الفرنسيون كثيراً إلى ما قبل عامين، تجتاح فرنسا، وتصل به إلى الإليزية، ومن ثم تمكنه من السيطرة على الجمعية الوطنية.
صحيح أن الغرب يتنافس على الأغلبيات في البرلمانات، ونحن العرب أبعد ما نكون عن هذا، لكن ما يحدث في الغرب خلال عام مضى، وما افرزته انتخابات فرنسا أول أمس يعلن، وما حدث في أم الرأسمالية بوصول ترامب للسلطة، فإنه يُعلن بداية تغيير كبير فيه وثورة جديدة عنوانها الرقمنة، ذلك أن الأيدولوجيات الكبرى والعتيقة تبدو اليوم على محك البقاء والوجود، أمام حركات شعبية أو مبادرات اجتماعية اقتصادية، أو طموحات هواة ورجال أعمال، قد تهيمن على المصائر السياسية، في الغرب المتحول،والذي يصعد به فاعلون على شبكات التواصل ومصممي أزياء، ومنتجي أفلام واصحاب متاجر وفنادق، وتتحول فيه الحركات الاجتماعية إلى أحزاب تُغير موازنين القوى،وترث الأحزاب والايدلوجيات التاريخية.

التاريخ : 6/20/2017 3:47:12 AM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط