الجمعة 21-9-2018   

تحرّش على ميزان الرّجولة و الوطنيّة و حسب الجنسيّة!

لا أظنّ أنّ فعل التّحرش يحتاج دليلًا لإثبات وجوده، و لا أظنّ أنّ اللّفظي منه أقلّ جرمًا من الجسدي، و لا أعتقد أنّ وجوده و انتشاره في بلاد غيرنا قد يبرّره أو يقلّل شرّه، ليمسي فعلًا مألوفًا، فالسّرقة مثلًا لا يخلو منها مجتمع و لم يبرّرها أحدٌ لانتشارها أو ابتلاء غيرنا بعددٍ أكبرَ من اللّصوص.

ما سبق يجب أن يكون بديهيًا جدًا، و مثله أنّ حبّ الوطن و المؤسسات التي بناها الأردنيّون بالدّم و العرق، لا يوجب النّظرة الملائكيّة للمجتمع بكلّ أفراده و أصنافه، و لابدّ لنا من أن نفرّق بين المؤسسات و الأفراد، و لا مناص لنا من التّوقف عن اتهام من يشير إلى عيوبنا بالخيانة أو خدمة أجنداتٍ أجنبيّة، و أن تتحلّى نظرتنا بالتّوزان ما استطعنا. و قد أكون أنا شخصيًا ممّن يظنّ أنّ أهل الخير هم الأكثريّة، لكنّني لا أغمض عيني عن السّيء، و لهذا اسمحوا لي أعزّائي أن أقول لكم أنّ الأردنية قد تُحرِّش بها.

مفتاح مشكلة التّحرش يقع في نقطتين: أوّلهما أنّنا إذا تحدّثنا فيه احتجنا مقدّمات طويلة كما سبق مراعاة لحساسيّات لا نعلم لها سببًا، و الثّاني: في عقل المتحرّش الذي لا يرى جريمةً فيما يفعل، فأنتَ لو سألت أيّ متحرّش عمّن و فيمن تحرّش اليوم سيسرد لك باسمًا كلّ التّفاصيل و إن وجد له جمهور سيكون مختالاً فخورًا، و هو لا يفعل ذاك إلا لأنّه يملك مبرّرات معلّبة فاسدة لفعله أوّلها أنها ستفرح إذا تحرّش بها، لأنه يؤكّد لها جمالها بفعله و حسن هندامها، و ليس آخرها أنّ لباسها و طريقة تصرّفاتها هي من استفزّت المتحرّش، و يجد له دومًا من يبرّر التّحرش بالطبيعة البشريّة و الفعل الاعتيادي.
لن أطيل في بحث أسباب التّحرش و مبرّراته، فهذا بحثٌ أجاد به الكثير و لن أخوض في كون التّحرش أمسى مشكلةً في بلادنا و ظاهرة، فيكفي أن تنزل في جولةٍ إلى عبدون أو أمام الجامعات أو غيرها، لترى و تسمع بنفسك، لكنّني سأتحدّث في نقطتين فقط.

أوّلهما أنّ مفتاح العلاج يكمن في إظهار مدى الضّرر و الأذى الحاصل للأنثى عند التّحرش بها للذكر، حتّى يفهم جرميّة فعله التي تقترب من إرهاب النّاس نفسيًا على الأقل، و غياب شعور الضحيّة بالأمن، في بلادها و بين أهلها.
و الثّاني: أنّنا كغيرنا من المجتمعات نعاني من المشاكل بدرجةٍ أو بأخرى بعضها ذو خصوصيّة و بعضها عالميّ الطّابع، لذلك ليست خيانة الإشارة لها أو محاولة تصحيحها، أو حتّى الحديث عنها، تمامًا كما أنّ إنكارها ليس وطنيّة بقدر ما قد يكون فعل خيانة، فالسّكوت عن الخلل يفاقمه حتّى ننتقل ممّا يمكن إصلاحه بأشهرٍ و سنوات إلى ما قد يحتاج عقودًا طويلة من العلاج لا قدر الله.
و سأختم بدرس أبي لي يومَ سألته ما معنى أن تكون رجلًا، حين قال: الرّجل يا ولدي، لا يظلم و لا يقبل الظّلم، يخفض جناح الرّحمة للضّعيف ويحميه، شديدٌ على المعتدي لا يهابه كأنّما لم يُخلق في هذه الدّنيا موت نتجنّبه، و لا شدائد نحيد عنها.
يا ولدي باختصار كن من يرتجي عنده الإنصاف لا من يُرتجَى تجنّب شرّه.

التاريخ : 11/25/2017 2:22:00 PM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط