الجمعة 19-10-2018   

ترامب والعالم القذر

وصف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في معرض حديثه عن هجرة الأفارقة نحو أوروبا والولايات المتحدة بأنه يجب اتخاذ إجراءات صارمة بخصوص تدفق الحثالة من العالم القذر نحونا، وقد أثارت هذه التصريحات موجة عارمة من الاستهجان على مستوى العالم كله خاصة وأنها صدرت من رئاسة دولة تتربع على زعامة العالم الحر والمتقدم.
تصريحات رئيس الولايات المتحدة التي تفيض بالعنصرية، وبكل معاني الغطرسة والفوقية تكشف عن لون الصراع الجديد الذي تراجع إلى العصور المظلمة عندما كانت معظم شعوب الكرة الأرضية تخضع لقيم الاقطاع والعبودية، التي كانت تقوم على تقسيم البشر إلى عبيد وأسياد، حيث إن العبيد يشكلون الأغلبية الكبيرة التي تعيش على العمل الشاق في المزارع والمصانع لتحصيل قوتها من خلال خدمة الأقلية المتسلطة التي تستأثر بالأموال والأملاك والمزارع والمصانع وكل مقومات الانتاج.
الصورة نفسها تتكرر عبر بسط سيادة الدول الكبرى بأشكال مختلفة أكثر إحكاماً وأكثر شمولاً واتساعاً، وأدق تنفيذاً، مع تطوير الأدوات وتحديث الأساليب والوسائل التي تتضمن حسن التنفيذ، بطرق علمية صحيحة مضمونة النتائج والعواقب وتخفيف حدة الآثار الجانبية، وتستطيع أن تقرأ ذلك من خلال توزيع الثروة ورأس المال والعلم والتكنولوجيا وأدوات الانتاج على شعوب الأرض ودول العالم، إذ إن 10% من سكان العالم يستأثرون بـ 90% من الثروة، ويبذلون جهوداً مضنية على بقاء التخلف وصناعة الفقر والتحكم بتقنية الإرهاب والتطرف وتجارة العنف، والانتقال نحو الجيل الرابع من الحروب الذي يضمن ترسيخ هذه المعادلة واستمرارها إلى المستقبل البعيد.
تسعى الدول الصناعية الثماني الكبرى جاهدة أن تستمر في قيادة الصناعة العالمية واحتكار أوراق القوة، وأن لا يتم تسريب الاكتشافات الجديدة إلى شعوب العالم المتخلف، من أجل بقاء هذه الكتلة الاستهلاكية الكبيرة التي تشكل سوقاً للبضائع القادمة من العالم المتقدم ومنتوجات مصانعه الكبرى، بل تعدى الأمر إلى التدخل في زراعة الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية لدى الدول النامية؛ إذ تم اقناع تلك الدول باستيراد القمح بسعر أقل كلفة، مع الاتفاق على منظومة قوانين وأنظمة تتيح بقاء الحدود مفتوحة لانسياب السلع الخارجية؛ ما يقتضي العمل على إزالة الحواجز الجمركية وتحريم الحماية الاغلاقية عبر الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
ما قاله ترامب هو جوهر الحقيقة التي ينبغي عدم تحويل الأنظار عنها تحت ستائر الاعتذار أو الوصف بالجنون وقلة الدبلوماسية، هذا ما يجب أن تعرفه الشعوب الأفريقية والآسيوية والعربية، مهما تقدمت فنون السياسة ومجالات العلم والمعرفة وازدهار منظمات حقوق الإنسان.
ليس هناك حل أمام العالم الثالث إلاّ أن يسلك مسلك الاعتماد على الذات، وأن يعيد بناء الإنسان لديه بطريقة صحيحة، وأن يجسّر فجوة العلم و المعرفة، وأن يستنبت بذور العلوم والتكنولوجيا في أراضيه، وأن يعمل على بناء ديمقراطية حقيقية تعيد للشعوب حريتها وحقوقها المسلوبة، وأن يتخلص من الأنظمة المستبدة والقمعية التي مارست دور الناطور على إدامة التخلف وأدمنت على التبعيّة واستيراد الشرعية من دول الاستكبار التي بنت ديمقراطيتها على مخلفات القيم الاستعمارية وعلى جماجم الشعوب المستضعفة.

التاريخ : 1/22/2018 1:13:01 AM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط