الإثنين 23-9-2018   

ضحايا الحناجر المجروحة

...!
الاعلام في عالمنا - اليوم - يضرب في كل اتجاه، ويتمدد في الفضاء وفي الفراغ وربما تحت التراب.. وقد تحول الى مدرسة وجامعة وآباء وأمهات، لا يستطيع أحد ان يواجه سلطته أو سطوته.. كل ما نستطيعه أن “نتصالح معه” وأن يكون لنا نصيب فيه، وأن نمسك ببعض أدواته لندافع بها عن أنفسنا.. لأن الذين لا يفعلون ذلك سينضمون الى قائمة “الضحايا” وما أكثرهم في عالمنا المجبول على الصراع والهيمنة وظلم الانسان لأخيه الانسان.
ثمة ضحايا يسقطون في الصراعات العسكرية، اغلبهم من المدنيين الابرياء، الذين لا علاقة لهم بالحرب، والطرف الأضعف هو الذي يخسر اكثر، والضعف هنا تحكمه موازين “الارادة” والشجاعة، وكذلك التفوق بالاستعداد والتسلح، وحين تكون الحرب غير متكافئة، يتماهى منطق انتصار القوة مع منطق انتصار “الحق”، فيدفع الضحايا على الطرف الاضعف الضريبة مرتين: مرة على حساب دمهم وحياتهم، ومرة أخرى على حساب سمعتهم وموقف الرأي العام من حقوقهم المنهوبة.
في المعارك الاعلامية ثمة ضحايا ايضا، هؤلاء يسقطون امام أعيننا يوميا ولا يهم ان كانت دماؤهم سالت أم لا؟ المهم أنهم - غالبا - يستسلمون لقلة حيلتهم في الدفاع عن انفسهم، أو لقدرة الطرف الآخر على توجيه ما يلزم من ضربات لهم، أو لتعويلهم على صوابهم وسلامة نواياهم وكأن ذلك يكفي لانتصارهم وانصاف الناس لهم.. دون ان يتحركوا للرد، أو ان يستعدوا لمواجهة الحجة والدليل بالدليل.. لكن من سوء حظهم انهم أمام معركة غير متكافئة، هم طرفها الأضعف والمحاصر، أما الطرف الأخر فلديه ما يلزم من عدة وعتاد.
في المعارك الاعلامية، ثمة ضحايا من الاشخاص، ومن الافكار والمواقف، ومن الدول والأمم ايضا، المسلمون - مثلا - هم ضحايا اليوم لماكنة الاعلام الغربي الذي استطاع أن يختزلهم في “نمط” واحد، وصورة واحدة، طابعها سلبي ومنفر وغير حقيقي، الاسلام - كفكرة وقيمة ودين ايضا - ضحية لمعارك اعلامية غير متوازنة، بعضها من صناعة غربية متعمدة، وبعضها من صناعتنا نحن المسلمين، القيم والتقاليد الجيدة ضحية هي الأخرى لتحولات مجتمعية صنعتها المعارك الاعلامية الموجهة الى العقول والقلوب معا..
الدول - في العادة - تسعى الى تجهيز جيوشها بالاسلحة لحماية ارضها ومصالحها، كما تسعى - ايضا - الى تجهيز فضائها بالجيوش الاعلامية لمواجهة هذا “الاثير” المفتوح الذي يحكم العالم بالكلمة والصورة، ومن المفارقات ان بعض الدول التي لا تمتلك جيوشا أو قدرات عسكرية قد اتجهت الى “صناعة” الاعلام لتقوية أذرعها السياسية، وايجاد مكان ما لها على خارطة العالم.
هذا ليس درسا في أهمية الاعلام وخطره، ولكنه استدراك لمواقف تمر من أمامنا دون ان ننتبه اليها، ولضحايا كثر يسقطون يوميا دون ان نعتذر لهم، ولأفكار تهزم بالضربة القاضية؛ لأنها لا تجد من يدافع عنها، ولمؤسسات تحاول ان تخرج بتجارب أو اجتهادات فنبادرها بطلقة مجهولة تخمد صوتها.. هذه المشاهد كلها يخفيها غبار المعارك الاعلامية التي تدور احيانا ولا نعرف كيف تتحرك، وتتوقف احيانا اخرى ولا ندري لماذا توقفت، ويروح ضحيتها في الغالب ابرياء لا لذنب ارتكبوه، وانما لأن حناجرهم مجروحة، او اصواتهم غير قادرة على الوصول الى الناس.

التاريخ : 3/18/2018 1:20:44 AM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط