الأربعاء 15-8-2018   

رمضان هالة روحية وتحدٍ وجداني للرقيّ بالفرد والمجتمع

النهر نيوز - أكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين محادين أن ما يتفرد به هذا الشهر الفضيل هو أنه كسر للاعتياد مثلما هو شكلٌ من أشكال التنظيم العابر للجغرافيا، كسرٌ للاعتياد على صعيد السلوك الفردي إذ أنّ الاشهر الأخرى نجد لدينا استقرارًا بالسلوك والتعاطي مع عناوين الحياة المختلفة في أحايين كثيرة لا تخلوا من النزق مثلما أنها لا تخلوا من الإسراف والاهتمام بالمضامين الدنيوية بشكلٍ بارز.

وقال المحادين في إجابته على سؤال "البوصلة"، كيف يمكن أن يكون شهر رمضان فرصة لتغيير سلوك الفرد والمجتمع أو تعديله نحو الأرقى والأفضل: "إن الفرد يلتمس لنفسه أحيانًا عذرًا ولو كان غير مقنع أن بوسعه أن يمارس سلوكًا خاطئًا أو خارجًا عن المالوف بالمعنى الديني والقيمي، ولكنه يشعر أنه عندما يأتي شهر رمضان الفضيل أن عليه إضافة إلى أنه فرض عينٍ على كل مسلم أن يعدل من سلوكه بدءًا من لغته التعبيرية وتوصيفاته للحياة وإحساسه بمن هم أضعف منه في الحياة وليسوا من هم أفقر منه لأننا جميعًا فقراء إلى الله".

الصيام هالة روحية عابرة للجغرافيا

وأضاف أن هذه المضامين "النفسنمائية" (المرتبطة بالنفس والنموّ) تنعكس كما يفترض على السلوك الظاهر، ولذلك يفترض أن تمثل هذه الجذور القيميمة والسلوكية من خلال تعامل الافراد فيما بينهم وفي كل مفردات الحياة سواء في الشارع او مع الأسرة أو حتى مع من أخطأوا في حقنا أو أخطأنا في حقهم، أي أننا يفترض أن نسعى لتعزيز قيم التسامح وقيم التكافل كثنائية يتمتع بها هذا المجتمع العربي المسلم والأردن جزءٌ منه.

وتابع المحادين حديثه بالقول: "على الصعيد الموضوعي أي العابر للجغرافيا نجد أن هناك دروسًا يجب أن نستلهمها ونتفكر فيها بعمق ممثلة في أنّ كل المسلمين بكل لغاتهم او مساقط رؤوسهم أو انحداراتهم الاقتصادية والاجتماعية إنما يؤدون هذه الفريضة في الوقت نفسه وبرغم اختلاف الجغرافيا".

وأشار إلى أنّ هناك ثمة هالة روحية عابرة للجغرافيا لكنّها محققة لإنسانية الإنسان، وهذه الثنائية لا يقدر على تجسيدها وتمثلها فكراً وسلوكًا إلا من كان على سويةٍ عاليةٍ أو كان منسوب الإيمان لديه منسوبًا مرتفعًا.

وشدد المحادين على أن هذا النموذج العالمي بالنسبة للمسلمين إنما يجعلنا نتشارك رغم ابتعاد المسافات الجغرافية أو اختلاف اللغات في كيفية تجسيد المنطلقات الأساسية لمغزى ومضامين هذا الشهر الفضيل بالمعنى الديني والأخلاقي.

وقال إن شهر رمضان هو هوية مميزة للمسلمين، مع احترامنا للأديان الأخرى والتعدديات، تجعل منهم بؤرة إما للجذب أو – لا سمح الله – للنفور، وهنا الاختبار الأصعب إذ من السهل أن نصف مجموعة من السلوكات بلغة جميلة لكن المواقف التي تمثل القدوة الحسنة هي الأبلغ في التأثير على الآخرين، إذ أن التعلم بـ "النمذجة"، أو نظرة غير المسلمين إلى سلوك أهلنا في هذا الشهر الفضيل تحديدًا بحكم الرأي إنما يشكل مغناطيسًا من شأنه أن يوسع مداراته، في جذب الناس فكرًا وسلوكًا نحو هذه البؤرة المتجددة.

واستدرك حديثه بالقول: "يكفي أن نصل إلى حالة من السموّ تقول أو تجسد مقولة (يا إنسان كن إنسانًا)، فمن أحرى بالمسلمين غير ذلك".

وأكد أننا أمام منظومة فكرية وسلوكية تقوم على تنوع المعتقدات بين المسلمين وغيرهم مع الاحترام، ولكنها تقوم على التكامل بالمعنى الإنساني، وبذلك تتجلى قيمة رمضان هذا الشهر التربوي الخاص الذي من شانه أن ينعكس في حال تمثله بحق وبعلمية متوازنة على صحتنا النفسية أولا والجسدية ثانيا والروحانية ثالثًا، إذ أن الأشخاص أو المجاميع إذا ما أدمنت على الاعتياد فإنما تصاب بالكسل وإنما يمكن ان تسهوا أو تغفوا عن بعض المعاني الواجب تمثلها في محطات زمنية معينة، منذ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إلى الآن.

وأشار إلى أن هذا التحدي الوجداني للمسلمين لا يتمثل في الانقطاع عن الطعام رغم أنّ هذا مظهر من مظاهره وتنظيم الطعام وليس الانقطاع عنه نهائيًا اقصد، ولكن أيضا يتمثل في إعادة ترتيب برنامج الاسرة في اللقيا في صلة الرحم في الإحساس بمن هم أضعف منا وأيضاً إعادة ترتيب مواضع العلاقات الأسرية الخاصة.

ونوه إلى أن المسلم في رمضان يبتعد في النهار عن إشباع شهواته الشرعية، وبالتالي يحتاج إلى إعادة تنظيم أموره في المجمل من حيث المواقيت ومن حيث المضامين ومن حيث البحث عن تعميق مفاهيم السكنى بين الزوجين.

وشدد المحادين على أن كل هذه العناصر إنما هي غيض من فيض يمكن أن تستلهم أو أن تكون إنموذجًا لكن الذي يجري ايضًا بذات الوقت لا بد من الاحتراز منه أن مفاهيم العولمة والسعي لزيادة الاستهلاك المظهري إضافة إلى وجود التكنولوجيا، وبالمناسبة التكنولوجيا غالبًا في رمضان إنما تسحب اهتماماتنا باتجاهات ليست بالضورة مدعما لقيم رمضان التي نعتز بها.

وحذر من أن التشاغل بوسائل الاتصال خارج إطار هذه المفاهيم التي أسلفت فإنما يمكن أن يدفع المرء منزلقًا نحو مهاوٍ أو عناوين لا تستقيم مع منظومة رمضان العظيم الذي نتمنى دائما أن يكون قدوة.

ووجه المحادين رسالة عامّة في حديثه مفادها أنه: حريٌ بنا التذكير أن رمضان من الأشهر الحرم وبالتالي على المسلمين وهذا تحدٍ مضاف أن يوقفوا حروبهم وأن يخففوا من معاناة بعضهم البعض، وأن يكونوا أكثر مرونة وتسامحًا، ولذلك رمضان ليس سهلاً كما يتوقع البعض في مضامينه النبيلة لأن مغريات الحياة اليومية أقوى في كثير من الاحياين على النفس المترددة بأن تكون أكثر جذبًا لما هو حس لذي المتعة الآنية الطارئة ولذلك فإن العالم والإعلام في حالة انقضاض على هذه المنظومة القيمية أو على الأقل مزاحمتها وهنا نختبر كمسلمين في عقيدتنا في درجة ترسب هذه المفاهيم في قلوبنا وفي مسامات وعينا فنحن تاريخيًا عندما نقرأ السيرة العطرة نجد أن كل القتوحات المميزة حصلت في شهر رمضان يقابلها حاليًا تدني الإنتاجية في رمضان مع الأسف، بين هذين الحدين ثمّ مساحة بحاجة إلى إنضاج بحاجة إلى حوار وبحاجة إلى التفكر بالتي هي أحسن في المضامين.

تعديل السلوكيات السلبية في رمضان

وفي إجابته على سؤال البوصلة، حول إمكانية تعديل سلوك الفرد والمجتمع أو تغييره في رمضان، أجاب المحادين بالقول: لنكن صرحاء ونقول عندما يكون التشخيص دقيقاً على المحلل، يكون العلاج المقترح هو الأصوب، لكن الواقع يشير إلى أن رمضان يخبوا وهجه للأسف وهذا ليس قرارا فرديا أو أن ا لنموذج الإسلامي ضعيف في ظل الحروب في ظل الفقر غياب التكافل غياب القيم الجماعية ولكن جراء تأثير العولمة التي جعلت من رمضان شهرًا عابرًا إلا لمن كان متمسكاً بجذور هذه المعاني.

وتابع حديثه: لذلك الميل إلى الحياة والتشبث فيها يتقدم في كثير من الأحيان على السلوكات الدينية التي أسلفنا، ولذلك نقول إن المسلمين يتذرعون عمومًا بالجوع وغيره من العوامل كيف يكون نزقًا كي لا يكون مبتسما بحجة "أنني صائم"، علينا أن نقول بصراحة ان ما تميز به الإسلام العظيم أنّه علاقة مباشرة بين العبد وربه، ولا يحتاج إلى وسطاء، وأن إهمال الناس وخدماتهم ليس من رمضان، وأن التلكؤ في الإنجاز وضعف الإنتاجية ليس من قيم رمضان، وأن النزق والتزاحم على استهلاك السلح وتخزينها أعتقد أنها كلها تتنافى مع قيمة الزهد في رمضان.

واستدرك المحادين بالقول: لذلك يعني ليس سهلا على الناس أن يكونوا قادرين بحكم ما هو قائم من الحياة أن يكون قادرين على درجة عالية من "النمذجة" أو النموذج الإسلامي لرمضان، لكننا نسأل الله أن تكون هذه المفاهيم متداولة بين الناس.

وشدد على أنه يجب على المسجد والكنيسة أيضًا تعميق هذه المفاهيم لأن القيم المادية وثقافة الجشع في سوق عولمي مفتوح جعل من المسلمين عرضة إلى الاستئثار بالثروة دون التكافل مع من هم أضعهم منهم، وهذا لا ينطبق على أشخاص فقط وإنما ينطبق على الدول.

وأشار المحادين إلى زواية قاتمة يعاني منها العالم الإسلامي اليوم، فعندما نتحدث عن حجم الإنفاق على الاسلحة في المجتمع المسلم والعربي تحديدًا، بالمقارنة مع ما ينفق على تحسين مستوى الحياة وقيمها النبيلة نجد أن هناك اختلالاً في الميزانية، فالاختلال لصالح الدموية والحروب بين المسلمين وزيادة مواجعهم وفي المقابل ارقام أقل كثيرًا جدًا من أوجه الإنفاق على السلاح ومصاحباته في تأجيح روح البغضاء أو رفض الآخر، يمكن ان تجعل من هذا المجتمع إنموذجًا خصوصاً في ظل الموارد المتميزة البشرية والطبيعية، على حد وصفه.

وقال نحن نتحدث دائمًا عن رمضان ونربطه بالقرار السياسي في الوطن عند المسلمين، أين يدفع وما هي أولوياته كلها متأثرة ببعضها البعض، لكن نقول مرة اخرى أن الأصل في الأشياء استفتاء القلب والسير فيما يهدي الإنسان لما هو خير، لأنه إنسان أولاً.

الرغبة في الشفاء بداية الطريق

وأكد على أن ثمة قاعدة أساسية تقول الرغبة في الشفاء جزءٌ من الشفاء نفسه، عندما يقتنع الفرد بالرغبة الحقيقية في تعديل سلوكه ولا أقول تغيير لأنّ التغيير يحتاج إلى أجيال وصعب، أن يعدل من سلوكاته اليومية إلى سلوكات قيمية نبيلة كالتي يلزمنا فيها رمضان بوسعه أن يفعل فمصدر الأشياء هو النفس التي جبلت على الفجور والتقوى.

وأضاف المحادين أن الأمر الآخر يتمثل في أن علينا الاقتناع بأن صيامنا يجب أن يمنعنا أن نحمّل الآخرين – لا سمح الله - منّة أو مبررًا للتقصير، إذ ان الإنجاز ليس مرتبطا بالطعام دون غيره، بل يكون بالإيمان بالحاضر والمستقبل والإيمان بالارتقاء كي نكون جزءًا من الإنسانية، وإلا كيف لنا أن نوسع انتشار قيم الحوار وقيم التعددية وحوار الضحارات، والأمة الإسلامية بصراحة جزء من هذه الإنسانية قبلنا أم لا.

رسائل متفرقة

وشدد على أن أخطر ما نواجهه أن بعض المسلمين يعتقد أن الحقيقة معه دون غيره، قائلا: "وأنا أتحدث عن سلوكات الحياة، وما دمنا على هذه البسيطة والله عز وجل خلق البشرية كلها وكرم الإنسان لإعمار الأرض بعقله وحصافته فعلينا أن نكون منصفين لأنفسنا، ولكن دون أن نصل إلى حد الانغلاق أو الغرور فثمة شعوب قد لا تكون بالمعنى الديني الذي نحترم، ومع ذلك يتقدمون علينا".

وأشار المحادين إلى أننا بحاجة إلى قراءة عميقة، بحاجة إلى إعادة أنماط التنشئة الاجتماعية في الأسرة وفي المدرسة والجامع والكنيسة والإعلام، ولا ننسى أيضًا الشارع، إذ أن كثيراً منا عندما يذهب إلى مجتمعات غربية مثلاً منتظمة تحترم القانون وحقوق الإنسان، تحترم قيم المواطنة ومضامينها الحقيقية، كلها نتأثر بها ولكن عندما نرجع لبلداننا للأسف نعود إلى ما كنّا عليه سابقًا.

وختم المحادين بالقول: "علينا أن نؤكد أن هذه واحدة من المقترحات التي يمكن أن تعدل سلوك الناس، وأقول أيضًا لصنّاع القرار السياسي بصراحة إن عليكم أن تكونوا أقرب إلى الناس، أقرب إلى الحياة أقرب إلى معاناة المواطنين كلٌ في موقعه، بدءًا من الأسرة ممثلة بمعيل الأسرة وليس انتهاء بصانع القرار السياسي في الدولة المسملة في هذه البلاد أو تلك، لدينا من الموارد ولدينا من الشباب والعلماء والأساتذة وما رصيد مهم، ولكن علينا أن نؤمن أن الرغبة في الشفاء جزء من الشفاء نفسه، وأنّ الناس لا يقادوا إلى الجنّة بالسلاسل".

التاريخ : 5/17/2018 2:05:47 PM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط