السبت 20-10-2018   

إلى أسفل السافلين

حسين الرواشدة

لو سألتني من اين نبدأ الاصلاح؟ لقلت على الفور: من النفس الانسانية، هذه التي دبّ فيها وحش الفساد، ونهشتها مخالب المفسدين، ولو سألتني كيف؟ لقلت بان اصلاح هذه النفس تربويا واجتماعيا ودينيا يتقدم على الاصلاح السياسي والاقتصادي وغيرهما، اذ لا يمكن الاعتماد في الدخول الى هذه المجالات على نفوس لم تتجرد من فساد تصوراتها وشهواتها وافكارها وعناصر الشر فيها، ولم تتحرر من غبش «الطين» ووساوس الطمع والجشع، والحقد والضغائن.
لا يوجد فساد اكبر من استخدام القيم السامية والقضايا العادلة لمسخ الافكار او الغاء الخيارات او لتعطيل حركة المجتمع واعاقة مسيرته وتقدمه، او جمع الثروات واكتناز الاموال واستباحة المحذورات، واذا كان الفساد في بلداننا العربية قد اصبح من عموم البلوى التي اشار اليها فقهاؤنا ودعوا الى «انشاد» فقه خاص بها فان تحرير قضايانا الكبرى منه وتطهيرها من امراضه واشواكه وازالة ما حدث من التباسات معه يحتاج الى فقه سياسي واجتماعي جديد.. فقه مختص بهذه النازلة التي تقف وراء تخلف عالمنا العربي وضياع حقوقه وتراجع قضاياه واستمرار الاستهانة به من قبل الاخرين وفقدان وزنه وتوازنه واحترام العالم له.
ارتبط الفساد بالهلاك والخراب: هلاك الانسان وخراب العمران، ووعد الله تعالى المفسدين بالعذاب وسوء المصير، وحرمهم من محبته «ان الله لا يحب المفسدين»، والفساد نقيض الصلاح، يصيب النفس فيستحوذ عليها، ويغتال فطرتها، ويصيب المجتمعات فيجهز على مقوماتها وقيمها، ويفتك بموازينها وطموحاتها.
ثمة انواع مختلفة للفساد، منها ما يتعلق بالعقل وما يصدر عنه من افكار وتصورات، ومنها ما يتعلق «بالتدين» وما يطرأ عليه من خلل وعلل ومنها ما يتعلق بالمال وما يجري فيه من سرقة ونهب او استخدام غير مشروع، ومنها ما يتعلق «بالقيم» وما حدث لها من تحولات وانشطارات، لكن من اخطر انواع الفساد - مهما تعددت مجالاته - ما كان متلبسا في قضية او قيمة، والالتباس هنا يعني التماهي في التوظيف والاستخدام، بحيث تتحول القيمة او القضية الى «ستار» يختفي وراءه المفسدون، ويتذرعون به لمحاربة الصلاح وتغييب الاصلاح، والاستحواذ على «الثروة» عندها تجرح القيمة او القضية وتتحول الى «بازار» لاستقدام العروض واستثمارها، والى ضحية على مذابح الفساد واصحابه.
مشكلة الفساد ليست في السياسة التي اختلطت «بالبزنس» ولا «بالاقتصاد» الذي انفتح على «الاستثمار» بعيدا عن القيم وتحول الى «مرتع» للاستثراء على حساب جيوب الناس ومعاناتهم، وليست في التجاوزات التي ابدع فيها بعض الذين امتلكوا السلطة اية سلطة، ولكن المشكلة - ايضا - في نفوسنا، هذه التي انحازت الى اسوأ ما فيها من معانْ ودعوات، واختارت الطين بدل النور فهوت الى اسفل السافلين.

التاريخ : 10/12/2018 12:09:00 AM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط