الأربعاء 18-12-2018   

خطاب الملك في واشنطن: مواجهة الكراهية وتحرير مفهوم الجهاد

إبراهيم غرايبة

تضمنت كلمة جلالة الملك عبد الله الثاني في حفل تسليمه جائزة تمبلتون لعام 2018 مجموعة من الأفكار والاتجاهات مفادها أننا قادرون على الالتزام بالدين والالتزام أيضا بالتضامن العالمي المشترك مع جميع الأمم لأجل السلام والتعاون، ونظرا لحدود المساحة فسوف أشير إلى مفهوم الجهاد الذي خصه جلالته بتوضيح مهم عدا عن كونه مقاربة قدمت في الكاتدرائية! وقد استخدم مفهوم الجهاد على نطاق واسع لتبرير الكراهية والخروج على المجتمعات والخروج منها أيضا، لكنه في فكرته الأصلية المنشئة لحماية الذات من الكراهية والغرور ولحماية البلاد والمجتمعات من الاعتداء، يقول الملك إن الإسلام الذي تعلمته ونشأت عليه في الأردن: إسلام الإحسان والرحمة، لا انعدام العقل والقسوة. والنظرة الشمولية، لا الانتقائية عبر اجتزاء تفسير الآيات القرآنية والأحاديث لخدمة أجندات سياسية.
وفي ذلك فإننا ننشئ الخطاب الديني بما هو المعالجة المنهجية التطبيقية للنص الديني مستلهمين القيم الكبرى والأساسية، ومنها محبة الخير للناس وإنصافهم، حتى في حالات الحرب والعداء لا يجوز أن نسمح للكراهية أن تستقر في نفوسنا، فالعداء غير الكراهية، والقتال غير القتل، لكن نتمسك دائما وفي كل الظروف كما قال جلالته بـ "الإسلام الحنيف الأصيل، لا التطرف المُحدث، إسلام التسامح والسلام، لا العدوانية وتصيد الأخطاء. الإسلام المبني على الأصول الراسخة، لا المغالاة في التفاصيل حد التطرف. إسلام النظرة الشمولية التي جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية، لا الانتقائية عبر اجتزاء تفسير الآيات القرآنية والأحاديث لخدمة أجندات سياسية."
لقد شغلت الأمة الإسلامية منذ الحادي عشر من أيلول 2011 كثيرا بمحاولة إزالة التشوه الذي لحق بالإسلام ومفاهيمه، وتشكلت صورة نمطية عن الإسلام والمسلمين لم يكن سهلا إزالتها، لكن جائزة تمبلتون تؤكد أننا قادرون على مشاركة العالم في ترسيخ السلام والتضامن ومواجهة الكراهية والعنف، وذلك كما يقول الملك مطلب ديني يجعلنا أقرب إلى الله وفهم الدين وتطبيقه"وغايتنا في ذلك ليست نيل رضا أصدقائنا أو رضا العالم، بل غايتنا هي رضا الله، وسنستمر في هذا الجهد ما حيينا، وما دام الإيمان عامرا في قلوبنا" وما نتعلمه من هذه التجربة أننا حين نطهر أنفسنا من الكراهية ونتمنى الخير لجميع الناس حتى عندما يكونون أعداء بل وحينما نقاتلهم بالسلاح أو نختلف معهم لسبب ما، نجعل للسلام فرصة أكبر ونقلل الخسائر والتضحيات، ويمكن أن ننهي الصراع والخلاف بخسائر أقل إن لم يكن بدون خسائر، لكننا بالكراهية نديم الصراع وقد دعا جلالته أن نعمل كل ما في وسعنا لتعظيم الخير في عالمنا ولتقريب الناس على أسس الود والتفاهم، وبداية هذه الطريق تكون بجهاد النفس داخل كل شخص منا، لنكون بأفضل صورة ممكنة. ذلك أنه كما قال في كلمته "الشر يستبد عندما يعجز الصالحون عن العمل، ولكننا إن عملنا معاً، بمشيئة الله، سنتمكن من إنجاز أمر جوهري، وهو الوصول إلى مستقبل يسوده الوئام، وهو ما تنشده وتحتاجه البشرية، فلنمض إذا في هذا الكفاح، في هذا الجهاد الحقيقي."
وبالطبع فإن الدعوة إلى المحبة والخير للجميع لا تعني بحال من الأحوال أن نتنازل عن حقوقنا وسيادة بلادنا وكرامة مواطنينا، فنحن مع تمسكنا بالسلام ورفض الكراهية نتمسك أيضا بسيادة الدولة والقوانين على أرضها ومواطنيها وبعودة كل شبر محتل من أرضنا، ومستعدون للدفاع عنها، لكن التعصب والكراهية يؤذي الذات ولا يضر الأعداء.

التاريخ : 11/17/2018 7:58:05 AM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط