الجمعة 24-5-2019   

"وداد" ضحية ظلم الاب وقسوة الاخوة ؟!

النهر نيوز - نقلت وداد التي رمزت لنفسها بهذا الاسم متجنبة ذكر اسمها الحقيقي خشية غضب اخوتها الذكور، الذين قالت انهم لم يقدموا لها رغم انها وحيدتهم الا فتاتا لا يقيم اودا من تركة ابيها الذي خصهم بكل ماتركه بعد وفاته من وافر المال والعقار.

نقلت وداد الى ضنك العيش الذي يعتصرها واطفالها الثلاثة بعد وفاة زوجها الذي لم يترك لها من حطام الدنيا الا مسكنا متداعيا وراتبا تقاعديا لايكفي ادنى متطلبات نفقة اطفالها وجميعهم على مقاعد المدرسة، الحال يدفعها في اغلب الاحيان قالت وداد الى نشدان كرم المحسنين، فقد سدت امامها سبل الانتفاع من صناديق العون الاجتماعي بحجة ان باسمها منزلا، وانها تتقاضى راتب زوجها المتوفى التقاعدي.

حكاية وداد هذه مثال لا حصر لنساء كثيرات هن ضحايا اباء يحتكمون الى عادة توريث الذكور دون الاناث، والتي لازال البعض في مجتمعنا ياخذ بها رغم كل ما كتب وقيل عنها من انها خروج سافر على قواعد الشرع وكل الاعراف الانسانية.

يتفق الدين والعرف العشائري وعلم الاجتماع على خطأ عادة حرمان البنات من الميراث، كونها لا تستند لمنطق سليم، فالاخذون بهذه العادة يبنون قناعاتهم على فرضية يجانبها الصواب، وهي ان مصير البنت الزواج من شخص هو الملزم شرعا وقانونا بالانفاق عليها، وخصها بشيء من تركة والدها في مفهوم هؤلاء يعني ذهاب التركة لشخص غريب سينازع الابناء تاليا في مكتسبات الاسرة.

ويؤسس الاخذ بعادة توريث الابناء الذكور على حساب الشقيقات في احيان كثيرة وفق المعاش لمشكلة اجتماعية خطيرة تتشكل نتيجة عدم تزويج بعض الاباء بناتهم الا من ميسورين، فالميسورون في قناعة هؤلاء الاباء لايطمعون بمال اومكسب تاتي به الزوجة من تركة ابيها، وبانتظار ميسور بعيد المنال الا من قليل تفوت فرصة الزواج على كثيرات، فيبقين والامثلة عديدة - كما روت احداهن - ووفق المقولة الشعبية "لطية" عند زوجات الاشقاء (أي تحت رحمة اولئك الزوجات)، ومعظمهن لايحسن معاملتهن.

في العرف العشائري الذي يحكم الكثير من مفاصل حياتنا یقول الوجيه موسى الصرايرة ان حرمان المرأة من حقھا في ارث والدھا لیس من اساسیات النظام العشائري، بل ھو سلوك لافراد زاد عددھم ام قل، فالعشائریة كما یقول الصرایرة لاتتعارض مع الدین الذى رتب للمرأة حقوقا واضحة في ارث والدھا، ولكن الحاصل ان البعض في المجتمع یحتكمون لموروثات تصنف المرأة على انھا العنصر الأضعف في المجتمع، وعلى انھا مملوكة ولیست مالكة مما یجعلھا تفقد حقھا في معظم الأحوال.

ویبدو ان اساس عادة حرمان المرأة من الارث یرتبط بحسب الصرايرة بطبیعة النشاط الإقتصادي في المجتمع القدیم الذي عاش الناس فيه في معظمھم كمربي مواش ومزارعین ولم تكن حینھا للأرض قیمة مادیة نقدیة، فالأرض مصدر رزقھم وقوتھم ولا یجوز التفریط بھا او منحھا للغیر، ومن العار والعیب في نظرھم ان تنتقل ملكیتھا من عائلة الى عائلة اخرى على اساس انھا ارث، ليبقى الاخوة الذكور ھم المسیطرون على ھذا الملك، اما الأخوات الاناث فیتم إرضاؤھن بقلیل من المال او المواشي.

وفي النظرة الإجتماعیة التي لازالت سائدة لدى البعض يقول الصرايرة "ان الحرة الأصیلة لا تقبل ان تقتسم ارض ابیھا وجدھا وتأخذ منھا لزوجھا او اولادھا" وعلیھا ان تكون في علاقة حسنة مع اخوتھا الذكور كي یكونوا سندھا وعونھا في حالة نشوء الخلاف او الانفصال بینھا وبین زوجھا.

وحمل الصرایرة المرأة جانبا من المسؤولیة في التغاضي عن حقوقھا في الارث فأكثرھن كما قال یتنازلن طواعیة عن تلك الحقوق مع ان ابواب القضاء الشرعي والنظامي مفتوحة لإنصافھن.

وعن دور المؤسسات المعنیة بالعمل النسائي في تعریف المرأة بحقوقھا تقول مريم وهي احدى الناشطات في هذا المجال انه وبرغم انتصار القانون للمرأة في الكثير من الجوانب ومن بينها جانب حقها في الميراث وفي ادارة الاموال، فان العدد الأكبر من النساء وعند الطلب الیھن القیام ببعض الاجراءات القانونیة یتراجعن لأسباب منھا الحفاظ على شكل العائلة وعدم الجرأة على رفع دعوى امام المحاكم كون القضیة اسریة.

من هنا اضافت الناشطة، تتحمل النساء الجانب الأكبر من المسؤولیة لتجذیرھا الارث الاجتماعي الذي یمایز بین الذكر والانثى فیما یورثه الوالدان.

ويرى مدرس علم الاجتماع الدكتور فايز المجالي ان الخروج على الكثير من مقتضيات اعرافنا الطيبة، وحتى على حساب مقتضيات عقيدتنا الدينية، جاء بسبب انماط حياتنا المعاشة ومايصحبها من متغيرات اقتصادية واجتماعية، فاصبح الاهتمام بتكوين الثروات متقدما على كافة المعاني الانسانية والدينية التي ينبغي ان نحتكم لها في سلوكاتنا.

واضاف ان حرمان المرأة من الميراث يرتكز ايضا الى اننا لازلنا نعيش في مجتمع ذكوري الطابع تفكيرا وسلوكا رغم ماحققته المرأة من تقدم ونجاحات على مختلف الصعد الوظيفية والانتاجية، كما ان المرأة نفسھا تساعد احیانا بحسب الدكتور المجالي في ترسيخ مثل هذه السلوكات، فرغم ماوصلت اليه المرأة من دور طليعي فقد ظلت المؤسسة التقليدية هي الناظمة للعديد من جوانب حياتنا، وهنا تأتي مسؤولیة المرأة تجاه نفسھا.

وقال المجالي إن علیھا ان تتبنى نظرة واعیة حیال كافة القضايا التي تمسها وتعني مستقبل حياتها.

ویعارض الدین بشدة خص الذكور بمیراث الآباء دون البنات لأنه یخالف العقیدة، وفي ھذا یقول الشيخ عبدالله الرواشدة، "بموت الانسان تنھدم ذمته المالیة وتنقطع ملكیته لأمواله، ولذلك كان لا بد من تحدید خلفائه فیما یملكه في حیاته، فكان نظام التوریث من النظم التي تستند الى نزعة كامنة في نفس الانسان".

وعلیه اضاف الشيخ الرواشدة فان من حكم المیراث ان الاسلام جعل ما یتركه لانسان من مال یؤول الى احب الناس الیه واكثرھم صلة به واشدھم تعاونا معه، ولم یحكم بالمال الى خزینة الدولة كما ھو الحال في بعض الأنظمة الوضعیة وذلك حتى لا یحرم الناس من جھود الاقارب لما لهذا من تأثیر سلبي، حیث یؤدي الى تقطیع اواصر الود والمحبة بين الناس.

واضاف الشيخ الرواشدة ان الإسلام انصف المرأة وساواھا بالرجل وبھذا فقد ثار على المنھج الذي كان یضع المرأة من المیراث، فقد قال تعالى ((یوصیكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثیین))، وللاسف قال الشيخ الرواشدة فان النظام القبلي البائد عاد الى الظھور من جدید في مجتمعاتنا وحرمان البنات من الميراث احد مخرجاته، وفي هذا ظلم وتعسف مايتنافى مع قوله تعالى ((یا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بینكم فلا تظالموا)).

التاريخ : 5/14/2019 6:12:02 PM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط