الأربعاء 19-12-2018   

عن«الدعوي» و«السياسي» في خطاب الدولة أيضاً

“أقالوه” أم “استقال”... “اجتهاد شخصي” أم “مبادرة موحى بها” ... “خطبة سياسية” أم “خطبة شرعية” ... لم يعد كل ذلك مهماً الآن، الرجل قال كلمته ومشى، بعد أن أثار زوبعة من النقاشات التي لم تهدأ حتى الآن، حول الخطبة العصماء التي ألقى بها الجمعة الفائتة على مسامع الأردنيين والأردنيات.
كعادتنا دوماً في مثل هذه الحالات، سرعان ما تسري الانقسامات في عروقنا، وتبدأ حرب الاتهامات والاتهامات المتبادلة، ويسف النقاش إلى حد كيل أقذع الاوصاف بالمتحدث و”صاحب المناسبة”، يختلط العام بالخاص، والشخصي بالعمومي، والحابل بالنابل ... بيد أن أكثر ما استوقفني في تعليقات المواطنين على “السوشيال ميديا”، هو ذاك الغضب المكنون للكرامة التي أحس الأردنيون بإهدارها على مذبح الأشقاء .
على أية حال
فلقد تركز اهتمام الأردنيين على الشق المتصل بـ “استسقاء” الدعم من دول الخليج العربية، ويقال إن خطبة الشيخ أحمد هليل قد استبطنت معاني مسيئة للأشقاء، وهذا ما لم ألمسه بعد استماعي للكلمة صوتاً وصورة، وأنا لست في العادة، من هواء استذكار الخطب ومراجعتها ولا الاستماع إليها ... لكن ما استوقفني في خطبة الشيخ هليل أمران اثنان لا صلة لهما بموضوع الضجة الكبرى التي أثيرت حولها.
أولهما، مخاطبة الإيرانيين بالمجوس والفرس ... نحن أصحاب “رسالة عمان”، ونحن أول من أطلق حوار الأديان والمذاهب، ونحن سدنة “الإسلام المعتدل” التوافقي، ونحن أصحاب موقع وسط، لا يجد صعوبة من أي نوع، في مخاطبة جناحي العالم الإسلامي، السنّي منه والشيعي، فلماذا هذه اللغة، التي كلما أوغلنا في استخدامها، فقدنا بعض “ميزتنا” الخاصة، التي نكاد ننفرد بها عن سائر خلق الله.
من موقعه “الشرعي” على رأس مؤسسة “قاضي القضاء” لا بد أن الشيخ كان مساهماً مساهمة فعّالة في إخراج “رسالة عمان” إلى حيز الحياة ... المؤكد أنه ألقى عشرات الخطب، وقرأ عشرات التصريحات ... وأعد العديد من الأوراق في مغزى الرسالة ومراميها، وفي “الميزة الأردنية الخاصة”، فلماذا نذهب إلى هذا الحد في توصيف “الآخر”، ولماذا نجاري بعض أكثر الجماعات تطرفاً وغلواً، في استخدام مفردات مستلةً من قاموسهم وليس من قاموسنا.
ومن موقعه السياسي، فإن معاليه لا شك يدرك، أن الأردن مهجوس باستعادة علاقات طبيعية مع العراق، وأنه يتطلع لمشاريع استراتيجية تتصل بالنفط والغاز مع بغداد ... ولا شك أن معاليه يدرك تمام الإدراك، رغب في ذلك أم لا، أن إغضاب طهران، لن يمر بسلام على بغداد، وأن علاقاتنا مع الجارة الشرقية، ستتأثر حكماً بعلاقتنا مع “ما وراء بغداد”، مع طهران بالأساس، فهل أصبح هجاء إيران ركناً من أركان “استسقاء” الدعم والإسناد من الأشقاء؟
وثاني الأمرين، المسكوت عنهما في “خطبة الوداع” هو الموقف من اليهود ... نحن بلد كان ريادياً في الدعوة لحوار الأديان، وحكاية “أبناء إبراهيم” ترددت في عمان كما لم تتردد في أي عاصمة عربية أخرى ... لم نبدأ الأمر مع الحادي عشر من سبتمبر، يوم سقوط البرجين، ولم نفعله درءًا لشبهة أو تهمة ... اتخذنا موقفنا المبادر في هذا المجال من وحي قناعاتنا ورسالتنا، فلماذا نعود لخلط الحابل بالنابل عند أول منعطف ... لسنا على عداء مع اليهود، وليس كل يهودي في العالم عدوا لنا ... بل ولسنا على عداء مع كل إسرائيلي ... لقد تعلمنا مبكراً التفريق بين اليهود واليهودية من جهة والصهيونية والصهاينة من جهة ثانية، وقبلنا على مدى سنوات وعقود الصراع العربي الإسرائيلي أن نتعامل مع يهود وإسرائيليين يقبلون بحقوقنا ويجنحون للاعتراف بها ... مرة أخرى لماذا نجاري أكثرنا تشدداً وغلواً، ونستلهم من خطابهم التكفيري بعضاً من مفرداته، عن قصد أو من دونه ... كان يمكن لهذه الزلة أو الهفوة أن تغتفر من رجل دين مبتدئ، وليس من رجل في موقع ومكانة وإرث الشيخ الجليل، فهذا أمرٌ جلل.
أياً يكن من أمر
لقد أبلغ الشيخ هليل رسالته، وأحسب أن الرسالة وصلت إلى كل من يهمه الأمر ... وهو اليوم ترجل من مواقعه الرسمية، إلى تقاعد مريح، ... والمطلوب أن تطوى هذه الصفحة، وأن يجري العمل لاستثمار “صرخته” أو على الأقل، احتواء آثارها وتداعياتها ... وأن نحرص في قادمات الأيام، على “فصل الدعوي عن السياسي” في خطاب الدولة الأردنية، ونحن الذين لا نكف عن مطالبة جماعة الإخوان المسلمين بفصل الدعوي عن السياسي، ومن دون جدوى، إذ في كل مرة يجري فيها الخلط بينهما، نقع بالخطأ، إنْ في الحكومة أو في المعارضة.

التاريخ : 1/24/2017 10:56:59 AM

التعليقات
لا يوجد تعليقات على هذا الخبر ، كن أول من يعلق
اضف تعليق
الاسم :  
التعليق :  
جميع الحقوق محفوظة لموقع النهر الاخباري
لا مانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر " النهر الاخباري "
الاراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط