آسف أيها القارئ العزيز

10 أيلول/سبتمبر 2019

في عالمنا المليء بالموت ورائحة الدم والاجساد المحترقة لا يمكن ان تضل قدمك الى زاوية من الفرح، او ان تجد في محيا الناس الذين ينسلّون اليك من وجه الشاشات ما يدعوك للابتسام، او ان تخرج من جلدك لتمارس هذا الترف الممنوع وسط زحام المقابر والجثث وصرخات الارامل والايتام، والبلاد التي تأكل ابناءها وتنتظر حتفها، وتشتري اكفانها كل صباح. ذكرني بهذا المشهد ما فعله اخواننا الشيعة الذي احتفلوا امس بعاشوراء، قلت : يا الهي لماذا امتنا - دون غيرها - ما تزال تطاردها لعنة المظلومية، وما تزال اسيرة لحالة الندب والحزن والاستغراق في الماضى الحافل بالانكسارات والصراعات والمآتم..؟
آسف ايها القارئ العزيز، كنت اريد ان ادلك على طريق آخر غير تلك التي تفضي الى الحزن والكآبة، وان اسعفك بوصفة تعيد اليك عافيتك، وتمنحك قسطا من الهدوء والاسترخاء،او ان اساعدك في الخروج من ظلال (عاشوراء) المزدحمة بالبكاء والصراخ وشق الصدور الى عاشوراء النصر والصبر وحتمية سقوط الظلم ( عاشوراء تذكرنا بحدثين في التاريخ، يتزامنان (يا للمصادفة) معا؛ احدهما نجاة سيدنا موسى وغرق آل فرعون والاخر استشهاد الحسين ورضيعه في أسوأ مواجهة عاشها المسلمون )،  ولكنني اعترف - سلفا - بفشلي وقلة حيلتي في ابتداع هذه المعجزة، كنت اريد ان اهرب معك من اشتباكات الاشقاء ، ومخاضات الطوائف، وحروب المذاهب ، وبؤس السياسة، وانشطارات الوطن العربي القائمة والقادمة، وأرقام الفقراء والاميين والمشردين والمهاجرين الذين ضاقت بهم مراصدنا الاحصائية وحاسباتنا الالكترونية.
كنت اتمنى ان اهرب بك ومعك من كل مآتم العزاء والكراهية والضغائن التي يطيرها الاعلام المسموم فتلوث فضاءاتنا الى «عالم عربي» آخر، بعيد عن «نوادر الحمقى والمغفلين»، وقصص» الف ليلة وليلة» و»نزهة المشتاق وحكايات العشاق» .. وبعيد ايضا عن امجاد الكابوس المفترس و»المارد الذي خرج من قمقمه»، والزعيم الذي عاد على الحصان الابيض، وغبار الثورات التي تعرضت - على غفلة منا - للاجهاض، ولكنني - آسف - لا اتقن لعبة الهروب.. ولا تطاوعني نفسي في الضحك عليك.. او استغفالك لا سمح الله.
بعد ان كدنا نصدق بان امتنا استعادت عافيتها .وحريتها وكرامتها، وامسكت اخيرا (بطرف السعادة)، 
ها نحن نعود الى خيمة العزاء من جديد لدرجة ان احدنا اوشك ان يقتنع بان الحزن صناعة عربية بامتياز، وبان «كربلاء» القديمة المتجددة اختصرت تاريخنا فأصبحنا نطل من خلال نوافذها على عوالم اللطم والندب والبكاء فقط، حتى عجز الانسان في بلادنا عن ابداع اي قيمة للفرح او صورة للابتسامة او تعابير خاصة بالضحك؟ و لم يبق لنا سوى النكت السياسية التي ربما تمنحنا شيئا من وهم التنفس وقليلا من فشة الخلق؟ ترى اين الكتاب الساخرون لكي يرسموا لنا بعض الخرائط لنستدل على ذاتنا؟ اين علماء الاجتماع الذين لم تتح لهم منذ قرون مثل هذه المهادات البحثية ليبتدعوا لنا نظرياتهم في تغير حال الناس والعمران وافول نجم السعادة؟
ليس لدي تذكرة لامنحها لمن يريد ان يتابع عروض الضحك المغشوشة على مسارحنا السياسية، وليس لدي وصفة جاهزة لمن يبحث عن العافية بعد هذا الزمن الطويل من البكاء والبؤس والندب، ولكنني اتمنى فقط ان نجد في عيوننا ما يكفي من الدموع، لكي لا تتصلب شراييننا ونصاب بالجلطة او ندخل - مثل أمتنا - في مثل هذه الحالة من الغيبوبة والاكتئاب.