«بلطجة» إعلامية .. !

22 تشرين1/أكتوير 2019
حسين الرواشدة
22-10-2019 01:30 AM
 

اذا كان لديك اية رغبة في رؤية اخر نسخة من فنون « البلطجة « كما هي ، بلا رتوش ولا «مكياج « ، ارجوك حدّق في هذه «الميليشيات» الاعلامية التي استحوذت على المشهد العام ، واحدة منها تخصصت في استفزاز المجتمع وانتهاك خصوصياته والتجرؤ على قيمه ونواميسه ، ثانية اطبقت بكلتا يديها على «رقبة» بعض المسؤولين فاصبحوا مرتجفين عاجزين عن الافلات منها ، ثالثة «تفرعنت» على الدولة واستهانت بنا جميعا ، اما القاسم المشترك بينها فهو انها تمارس «البلطجة» بايعاز من اشباح لا نعرفهم ، ثم تتلطى خلف عنوان مغشوش اسمه « المصلحة العامة « ، فتضرب ثم تهرب ، وتنهب كما تشاء .
لا تسألني كيف تجرأت هذه الميليشيات» الاعلامية ، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي او عبر المنصات الاخرى ، على اقتحام مجالنا العام على حين غفلة من الجميع ، لا تسألني ايضا كيف استسلم بعض المسؤولين في بلادنا تحت سطوة الخوف منها الى مجاملتها وارضائها ، ولا لماذا انسحب الاعلاميون الحقيقيون من الساحة بعد ان اصبحوا غرباء فيها ..؟ الاجابة الوحيدة التي يمكن ان اسعفك فيها هي ان مؤسسات الدولة استقالت من واجباتها تجاه اعلامها الذي يمثلها ويتحدث باسمها ويدافع عن قيمها ، وتركت المكان فارغا لمن يملؤه ، وقد حصل فملأه هؤلاء .
لا اريد هنا ان استطرد في توصيف الظاهرة ، فقد اسفرت عن وجهها ومدّت لسانها بما يكفي لاثارة انتباهنا ، واشمئزازنا ايضا ، لكن لا بد ان نفهم «التربة» التي خرجت منها ، والسياقات التي افرزتها ، لتحديد كيفية التعامل معها ، هذا واجب الجميع الان ، اما كيف..؟ فليس لدي وصفة جاهزة لتقديمها ، لكن استاذن بتسجيل نقطتين : الاولى هي ان هذا الانفلات الاعلامي الذي تزامن مع انطلاق ثورة الاتصال وعصر «الفرجة» وسطوة الصورة وسيولة الاخبار وصناعة الاشاعة ، اصبح عابرا للقوانين ، مهما كانت رادعة، وبالتالي فان مواجهته تحتاج الى اعادة الاعتبار «للمنافس» الحقيقي ، وهو الاعلام الموثوق به ، اعلام الدولة ، بكل ما يتطلبه من جاهزية وكفاءة وحرية وحق الحصول على المعلومة، ومن انتصار لمبادئ الاستقامة والمهنية والمصداقية .
اما النقطة الثانية فتتعلق بتحرير الاعلام من الالتباسات السياسية ، او - ان شئت - من «التابعية» لرغبات السياسي وتحولاته وحساباته ، هنا يقع واجب الدعوة لاعادة «الاستقلالية « للاعلام ، وهنا يستدعي الامر ايضا تقوية المؤسسات الاعلامية ودعمها ، وانعاش النقابة التي تتولى تنظيم الشأن الصحفي ، وترسيخ المواثيق الاعلامية التي تضبط حركة الصحافة وعلاقتها مع جمهورها.
بقي لدي ملاحظة اخيرة ، وهي ان طبقات « البلطجية» بدأت تتكاثر ويتصاعد نفوذها في مجتمعنا ، لا اقصد فقط «بلطجة» بعض الفاعلين في المجال السياسي او الاعلامي او الثقافي ، وانما البلطجة المنظمة التي تمارس اعمالها عبر جمعيات او مؤسسات ومراكز تستقوي بالتمويل الخارجي ، والاخرى التي تباشر نفوذها من تحت الطاولة عبر شبكات مجهولة يتحرك فيها اشباح مجهولون خلف لافتات وعناوين مختلفة ، تحاول ان تعبث بمجتمعنا بلا وازع من ضمير أو أخلاق.

الدستور